الشيخ محمد رشيد رضا

93

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

يقلدون من قالوا إن القليل من غير خمر العنب ليس كالكثير فيكون اطمئنانهم أشد ، وأما الذين يتبعون النصوص ويوافقون الجمهور في تحريم قليل ما أسكر كثيره فمنهم المتفقهة وغير المتفقهة - فالمتفقهة يعللون أنفسهم أولا بمسألة علة التحريم وحكمته ، وقد فندنا شبهتهم هذه فيما سبق ، وغير المتفقهة يعتمدون على عفو اللّه تعالى قبل التعود والادمان كما يعتمدون عليه هم والمتفقهة بعده عندما يعلمون بالاختبار والعمل ان قليل الخمر يفضي إلى كثيرها ، ويرون أنفسهم قد انغمست في شرورها ومفاسدها . فالتكاة الأخيرة لمن يشرب الخمر من أهل الدين هي تكأة أكثر المرتكبين لسائر المعاصي - وهي الغرور بكرم اللّه وعفوه ، إما بضميمة الاعتماد على بعض الأعمال الصالحة ولا سيما ما يسمى منها بالمكفرات ، أو على الشفاعات ، وإما بدون ضميمة . ومن مكفرات الذنوب ما له أصل في السنة ومنها ما لا أصل له ، وما له أصل قيدوه بالصغائر أو بمقارنة التوبة له ، وقد فندنا جهل هؤلاء وغرورهم في مباحث التوبة والكفارة من تفسير سورة النساء [ راجع تفسير ( 4 : 6 إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ ) في ص 440 ج 4 وتفسير ( 4 : 30 إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ ) في ص 46 ج 5 ] وهذا الجهل والغرور يرسخ في قلوب هؤلاء ، بما نظمه وينظمه لهم فساق الشعراء ، كقول أبي نواس الشهير بالسكر والفجور تكثّر ما استطعت من المعاصي * فإنك واجد ربا غفورا تعض ندامة كفيك مما * تركت مخافة النار السرورا وقوله من قصيدة يذكر بها استعانته بالخمر على الفجور بغلام نصراني هرب منه إلى دير وترهب فيه : ورجوت عفو اللّه معتمدا على * خير الأنام محمد المبعوث ولو صح ما يهذي به هؤلاء الفجار ، لكان الدين كله لغوا وعبثا لا حاجة اليه - وحاش للّه -